الحــج

اذهب الى الأسفل

الحــج

مُساهمة من طرف أبو رافع في 15/1/2008, 23:04

الحــج
الحجُّ هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد فرضه الله عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة النبوية. وقد كان مفروضاً في زمن إبراهيم عليه السَّلام، وجاء الأمر به في شريعتنا تأكيداً لتلك الفريضة الَّتي أمر الله خليله بالإعلام عنها، والدعوة إليها حين قال: {وأَذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يَأْتُوكَ رجالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِيْنَ من كُلِّ فَجٍّ عميق * ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهم ويَذْكُروا اسم الله في أيامٍ معلومات..} (22 الحج آية 27ـ28).

والحجُّ لغة: القصد إلى مُعظَّم، أمَّا معناه شرعاً: فهو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص، بفعل مخصوص. وتعتريه الأحكام الخمسة فيكون: فرضاً، وواجباً، وحراماً، ومكروهاً، ومندوباً إليه مستحباً.
فهو فرض على البالغ العاقل المستطيع مرَّة واحدة في العمر، وذلك ثابت بالكتاب والسُّـنَّة وإجماع الأمَّة. أمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: {..ولله على النَّاسِ حِجُّ البيتِ من استطاعَ إليهِ سبيلاً..} (3 آل عمران آية 97). وأمَّا في السُّنَّة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم : «بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله، وإقامِ الصَّلاة وإيتاءِ الزَّكاة وحجِّ البيت وصوم رمضان» .
الحج مرَّة في العمر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ياأيُّها الناس فُرض الله عليكم الحجَّ فحجُّوا، فقال رجل: أكلَّ عام يارسول الله؟ فسكت، حتَّى قالها ثلاثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قلتُ نعم، لوجبت ولما استطعتم» .

وقد يجب الحجُّ أكثر من مرَّة لعارضٍ كَنَذْرِ أحدهم، بأن يقول: لله عليَّ حجَّة، لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقُرُبات المقصودة،
وأمَّا فضل الحجِّ فقد بيَّنَهُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الجماعة إلا أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «الحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّة» (المبرور: المقبول). وللحجِّ آداب وشعائر، ورد بعضها في قوله تعالى: {الحَجُّ أَشهُرٌ معلُومَاتٌ فمن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ وما تَفعَلُوا من خَيرٍ يَعلَمْهُ الله وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى واتَّقُونِ ياأُولِي الألباب} (2 البقرة آية 197).

الحجَّ ركن من الأركان الَّتي بُني عليها الإسلام، وهو عبادة موقوتة بزمان محدَّد من كلِّ عام، حيث يلتزم جميع المسلمين، حكَّاماً ورعيَّة، بلباس موحَّد، دون أي تفريق أو تمييز، والحجُّ مدرسة أيَّامها معدودات يعيش المؤمن في رحابها عفيفاً مستقيماً، بعيداً عن الملذَّات الدنيوية المباحة، ويخلع عن نفسه أهواءها ونوازعها، كما يخلع عن جسده ملابسه وزينته، ليرتدي ملابس الإحرام البيضاء الَّتي ترمز إلى الطهارة والنقاء، وتزيل جميع الفوارق الاجتماعيَّة بين الناس، وتوحِّد قلوبهم على ترديد التلبية الرائعة الخالدة (لبيك اللهمَّ لبيك)، وتأليف قلوبهم، وجمعها حول كلمة الله تعالى، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمُّه».

فالحجُّ مناسبة للتعارف بين أفراد الشعوب الإسلامية، ولتوحيد غاياتهم، ليصلوا بذلك إلى حياة القوَّة والعزَّة والعلم والعمل، كما أن الحجَّ موسم لعقد المعاهدات والاتفاقيات، ودراسة الوسائل الممكنة لتيسير التعاون الاجتماعي والاقتصادي، وتقوية اللُّحمة بين أقطار المسلمين على اختلاف جنسياتهم وألوانهم.

1 ـ الإسلام سلسلة متَّصلة من التعاليم والأحكام في غاية الدقَّة والانضباط، والحجُّ موقوت بزمن معلوم لا يصحُّ إلا فيه. وفي ذلك كلِّه تعليم للناس أن موازين الأمور سواء منها الدِّينية أو الدنيوية، لا تستقيم إلا بالنظام والانضباط، ومحورها جميعاً هو حسن استثمار الوقت والزمن.
2 ـ الحجُّ تجمُّع بشري مؤمن مليء بالمعاني والقيم، ومن هذه الآداب: العزوف عن المعاشرة الزوجية وتجنُّب دواعيها، والامتناع عن الظلم والبغي، والتجافي عن الخوض في الجدالات والمهاترات الَّتي توقع البغضاء بين الناس، وتجرُّهم إلى الخلافات والصراعات.
3 ـ الإحرام هو أحد الشعائر الَّتي يقوم بها الحاجُّ قبل شروعه بالحجِّ، يرمز إلى خلع كلِّ ما له علاقة بالفروق الاجتماعية، وهو بمثابة صكِّ المساواة بين سائر الناس، من كلِّ الأجناس والطبقات، يوقِّعه الحاجُّ بملء إرادته، ونفسه زاخرة بالتواضع والرِّضا.
4 ـ إن الله عالمٌ بصير لا تخفى عليه خافية، وهو كريم مع عباده يكافئ المحسن بأحسن ممَّا قدَّم.
5 ـ العاقل يحمل معه من المؤونة في سفره ما يكفيه ويوفِّي جميع احتياجاته، إن لم يكن فوق ذلك. وينبغي على الإنسان أن يتزوَّد في رحلة سفره في هذه الدنيا، والَّتي تنتهي به عند منعطف الموت إلى الدار الآخرة، بكلِّ ما يكفل له النجاة والسعادة فيها، وخير ما يتزوَّد به هو التَّقوى، لأنها تعني الاجتهاد في كسب رضا الله عزَّ وجل، والابتعاد عن كلِّ ما يغضبه، ولا يتَّقي الله إلا مَنِ استنار قلبه بالإيمان واستضاء عقله بالهداية.

الهدي، وقدسيَّة البيت الحرام والكعبة المشرفة، ومنزلتهما المباركة
آ ـ الهدي: سورة الحج(22) - قال الله تعالى: {والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائِرِ الله لكم فيها خيرٌ فاذكُروا اسم الله عليها صَوَافَّ فإذا وَجَبتْ جُنُوبُها فَكُلوا منها وأَطعموا القانِعَ والمُعْتَرَّ كذلك سخَّرناها لكم لعلَّكم تشكرون(36) لن ينالَ الله لُحُومُهَا ولا دِماؤُها ولكن يَنالُهُ التَّقوى منكم كذلك سخَّرَهَا لكم لِتُكَبِّروا الله على ما هداكم وبشِّرِ المحسنين(37)}

ومضات: ـ إن تقديم الذبائح يعني منح الجائع الفقير فرصة يحصل فيها على ما يُمسِكُ رمقه لأشهر طويلة؛ وبهذا فإن الذبح ليس مجرد عمل تقليدي تعبُّدي وإنَّـما هو سلوك اجتماعي تعاوني. وخير مناسبة يتمُّ فيها هذا العمل هو الحج، ذلك المؤتمر السنوي العام الَّذي يجتمع فيه الغنيُّ والفقير والمكتفي والجائع، فيرى الغنيُّ بعينه حلاوة تقديم القربات إلى الله تعالى في إكرام عياله، وإهدائهم من نعم الله الَّتي تفضَّل بها عليه، وجعلها أمانة في يده وفي أيدي الأغنياء.

ـ الغاية من تقديم لحوم الذبائح للفقراء مع إخلاص النيَّة لله فيها؛ إتمام شعائر الله وتعظيمها، فالله تعالى غنيٌّ عن الصدقات والأضحيات، وهو المتفضِّل برحمته على المخلوقات أجمعين.

في رحاب الآيات: الهدي هو ما يهدى من الأنعام إلى الحرم تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل، وهي من شعائر الله في الحجِّ، وقد أجمع العلماء على أن الهدي لا يكون إلا من النَّعم، والنَّعم هي الإبل والبقر والغنم، ذكراً كانت أو أنثى، وللمرء أن يهدي للحرم ما يشاء منها، وقد أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل، وكان هديُه هديَ تطوُّع. وأقلُّ ما يجزئ عن الواحد شاة أو سُبْعُ بَدَنَة (ناقة)، أو سُبع بقرة، فإن البقرة أو الناقة تجزئ عن سَبْعَة. قال جابر رضي الله عنه: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة أشخاص، والبقرة عن سبعة»
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحبُّ إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً» قال: «شهدتُ المُصَلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى خطبته نزل عن منبره وأتى بكبش فذبحه بيده وقال: بسم الله والله أكبر هذا عني وعن من لم يضحِّ من أمَّتي» . وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «قالوا: يارسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: سُنَّة أبيكم إبراهيم، قالوا: فمالنا فيها يارسول الله؟ قال: بكلِّ شعرة حسنة، قالوا: فالصوف؟ قال: بكلِّ شعرة من الصوف حسنة» وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ياأيها الناس ضحُّوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يوجِّه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة» .

$ أحكام الهدي: ينقسم الهدي إلى مستحبٍّ وواجب؛ فالهدي المستحب للحاجِّ المُفْرِد ـ وهو الحاجُّ الَّذي أحرم بالحجِّ فقط ــ والمعتمر المفرد. أمَّا الهدي الواجب فأقسامه كالآتي:
1 ـ واجب على القارن والمتمتِّع؛ والقارن هو الحاجُّ الَّذي أحرم بالحجِّ والعمرة بنيَّة واحدة، والمتمتِّع هو كلُّ من أحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحجِّ قبل أن يحجَّ، وكان موطنه خارج نطاق الحرم، ثمَّ تحلَّل وأحرم بالحجِّ بعد ذلك.
2 ـ واجب على من ترك واجباً من واجبات الحجِّ، كَرَمْيِ الجمار والإحرام من الميقات، والجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، أو منى، أو ترك طواف الوداع.
3 ـ واجب على من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام غير الوطء، كالتطيُّب والحلق، أمَّا الوطء فإنه يفسد الحجَّ إن كان قبل التحلُّل الأصغر.
4 ـ واجب بالجناية على الحَرَمِ كالتعرُّض لصيده أو قطع شجره.

$ شروط الهدي:
1 ـ أن يكون ثنِيّاً إذا كان من غير الضأن، أمَّا الضأن فإنه يجزئ منه الجَذَع فما فوقه، وهو ما له ستة أشهر وكان سميناً.
والثني من الإبل: ما له خمس سنين، ومن البقر: ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة تامَّة، فهذه يجزئ منها الثني فما فوقه.
2 ـ أن يكون سليماً، فلا تجزئ فيه العوراء ولا العرجاء ولا الجرباء ولا العجفاء (الهزيلة)، وعن الحسن رضي الله عنه ، عن أبيه ـ كرَّم الله وجهه ـ أنه قال: (إذا اشترى الرجل البَدَنة، أو الأضحية، وهي وافية فأصابها عور أو عرج أو عجف قبل يوم النحر فليذبحها وقد أجزأته) (رواه سعيد بن منصور).

$ استحباب اختيار الهدي:
$ الذبح:
1ـ وقت الذبح: اختلف العلماء فيه، فعند الشافعي أن وقت ذبح الهدي يوم النحر، وأيَّام التشريق، لقوله صلى الله عليه وسلم : «وكلُّ أيَّام التشريق ذبح» (رواه أحمد) فإن فات وقته، ذُبح الهدي الواجب قضاء. وعند مالك وأحمد، وقت ذبح الهدي أيَّام النحر، سواء أكان ذبح الهدي واجباً أم تطوُّعاً، وهذا رأي الأحناف بالنسبة لهدي التمتُّع والقران.
2ـ مكان الذبح: لا يُذبح الهدي سواء كان واجباً أم تطوُّعاً إلا في الحرم، وللمهدي أن يذبح في أي موضع منه. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ مِنى مَنحَر وكلُّ المزدلفة موقف، وكلُّ فجاج مكَّة طريق ومنحر» (رواه أبو داود وابن ماجه) والأَوْلى بالنسبة للحاجِّ أن يذبح بمنى، وبالنسبة للمعتمر أن يذبح عند المروة، لأنها موضع تَحَلُّلِ كُلٍّ منهما.
3ـ كيفيَّة الذبح: يجب أن تتمَّ عملية الذبح بكلِّ مهارة وتلطُّف، فعن شداد بن أوس في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته». ولا يجوز الأكل من البَدَنة (الناقة أو البقرة) إذا نُحرت، حتَّى تموت وتبرد حركتها، لقوله تعالى: {فإذا وجَبَتْ جُنوبُها فَكلوا منها وأطعموا القانعَ والمُعْتَرَّ}.
$ الأكل من لحوم الهدي:
أباح الله تعالى للمهدي الأكل من لحوم الهدي فقال: {..فكلوا منها وأطعموا البائِسَ الفقير} (22 الحج آية 28) وهذا الأمر يتناول بظاهره هدي الواجب، وهدي التطوُّع. وللمُهدي أن يأكل من هديه الَّذي يُباح له الأكلُ منه أيَّ مقدار يشاء بلا تحديد، وله كذلك أن يهدي ويتصدَّق. وقيل يأكل النصف ويتصدَّق بالنصف، وقيل يقسمه أثلاثاً: فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدَّق بالثلث. وقد خصَّت الآية الكريمة البُدن بالذِّكر لأنها أعظم الهدي، وأبانت أن الله أراد بها الخير لهم، فجعل فيها خيراً وهي حيَّة تُركب وتُحلب، وهي ذبيحة تُهدى وتُطعم، وهذا يستوجب شكر الإنسان لربِّه، كما يستوجب أن يُذكر اسم الله عليها، ويتوجَّه بها إليه وهي تُهيَّأ للنحر بِصَفِّ أقدامها، فإذا اطمأنت إلى الأرض بموتها، أكل منها أصحابُها استحباباً، وأطعموا الفقير القانع الَّذي لا يسأل، والفقير المُعترَّ الَّذي يسأل؛ وهكذا سخَّرها الله للناس ليشكروه على ما قدَّر لهم فيها من الخير حيَّة وذبيحة.

وقد بيَّن الله لنا الحكمة والهدف من ذبح الأنعام ونحرها بعد ذكر اسم الله عليها في قوله سبحانه: {لن ينالَ الله لحومُها ولا دماؤها ولكن ينالُه التَّقْوى منكم} أي لن يصل إلى الله سبحانه شيء منها، إنما تصل إليه تقوى القلوب وتوجُّهاتها، والله قد هدى المؤمنين إلى توحيده والتوجُّه إليه

ب ـ قدسيَّة البيت الحرام: سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: {وإذ جَعَلنا البَيتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وأَمْناً واتَّخِذوا من مقَامِ إبراهِيمَ مُصَلّىً وعَهِدنَا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طَهِّرا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكِفينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ(125) وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجعَل هذا بَلَداً آمِناً وارزُق أهلَهُ من الثَّمَراتِ من آمَنَ منهُم بِالله واليَومِ الآخِر قال ومن كَفَرَ فأُمَتِّعُهُ قَليلاً ثمَّ أضطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وبِئسَ المَصِيرُ(126)}
سورة إبراهيم(14)
وقال أيضاً: {رَبَّنا إنِّي أسكنْتُ من ذُرِّيَّتي بِوَادٍ غيرِ ذي زرْعٍ عند بيتكَ المُحَرَّمِ ربَّنا لِيُقيموا الصَّلاةَ فاجعلْ أفئدةً من النَّاس تهوي إليهم وارزُقْهُم من الثَّمرات لعلَّهُم يشكرون(37)}

ومضات:
ـ كرَّم الله تعالى سيدنا إبراهيم، بأن جعل مقامه مصلّىً للناس.
ـ أمر الله تعالى نبيَّه إبراهيم وابنه إسماعيل، أن يطهِّرا البيت الحرام من الأرجاس، ليكون محراباً لعبادة الله وحده.
ـ عندما طلب إبراهيم عليه السَّلام من حضرة الله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى مكَّة، كان المكان قفراً خالياً من أيِّ بشر سوى إسماعيل ووالدته، واليوم يأوي إلى ذلك المكان ملايين الناس في كلِّ عام حُجَّاجاً ومعتمرين، استجابة من الله تعالى لدعاء الخليل عليه السَّلام.
في رحاب الآيات:
الكعبة المشرَّفة هي أوَّل بيت أمر الله تعالى بإقامته على الأرض من أجل عبادته، وعهد إلى نبيِّه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السَّلام إقامة بنائه وتجديد ركائزه وتطهيره، وأمرهما أن يحمياه من كلِّ ما يمنع تحقيق هذه الغاية، لتكون الكعبة بذلك ملتقى للمؤمنين، يُقبلون عليها من كلِّ جانب، ويحظون بالأمن في رحابها، فهي أكبر محطَّة للتجمُّع الإيماني في الأرض كافَّة. وفضلاً عن ذلك، فقد اختصَّ الله تعالى هذه البقعة المقدَّسة، بخصائص انفردت بها دون غيرها، ففيها الصفا والمروة، وزمزم، والحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السَّلام. وهي أيضا مراكز للإشراق الروحي، ومكان اجتماع المسلمين في الحجِّ، إذ يأتون إليها من أصقاع الأرض ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله تعـالى في أيَّامٍ معـلومات، وهذا دليلٌ كافٍ على شـرف هذا البيت، وأحقِّـيَّته في أن يكون قبلة للمسلمين.
وقد أوصى الله المؤمنين أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى، يتوجَّهون فيه إلى الله تعالى لما له من حرمة وقداسة وطهارة، وتذكيراً لهم بانتسابهم إلى شجرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السَّلام؛ الَّذي استجاب لأمر ربِّه، فأخذ زوجته وولده إسماعيل الَّذي وهبه الله إيَّاه بعد أن بلغ من الكبر عتيّاً، وبعد أن اشتعل منه الرأس شيباً، هذه الثمرة الَّتي جاءت بعد انتظار مديد وقلق طويل، يحملها الأب ليتركها في قلب الصحراء امتثالاً لوحي الله. وبعد أن يفرغ من مهمَّته، ويترك زوجته وولده غريبين في أرض قفراء موحشة لا أثر فيها لحياة، يرفع بصره نحو السماء، وقلبه مفعم بالتسليم لأمر الله، وينعقد الدعاء على لسانه آياتٍ محكماتٍ تُعلِّم المؤمن كيف يكون أدبه مع الخالق، وكيف يكون الدعاء. لقد دعا إبراهيم ربَّه أن يجعل هذا البيت المتواضع، المشيَّد في صحراء مقفرة، مهوى للأفئدة، تحنُّ إليه القلوب حُبّاً وشوقاً، وتُهْرَع إليه من أصقاع الأرض الدانية والقاصية، لتجد فيه ملاذاً لروحها القلقة، وطمأنينة وسكينة في كنف الله ورعايته.
وقد استجاب الله تعالى لإبراهيم دعاءه، فجعل البيت الحرام أماناً وأمناً، وسلاماً وسلماً، وجعل القلوب تهوي إليه، والرحال تُشدُّ إلى أرضه، والأفئدة تتعانق في رحابه. فليس من مسلم إلا وقلبه معلَّق بالكعبة، وترى المسلمين يتوجَّهون إليها من الآفاق في أيَّام الحجِّ، مدفوعين بقوَّة لا يستطيعون مقاومتها، فهي أشبه ما تكون بالغريزة أو الإلهام، وقد أراد الله تعالى لهذا التجمُّع البشري الهائل أن يُثمر عملاً جماعياً يعود بالخير والنتائج الإيجابيَّة على المؤمنين في أصقاع الأرض، وفي جميع دروب الحياة، وأن يكون وسيلة تحلُّ مشاكلهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة. فهو مؤتمر سنوي يجتمع فيه القاصي والداني، والأبيض والأسود تحت مظلَّة الإيمان، حيث يتداولون أمورهم، ويستشعرون الوحدة والقوَّة بتجمُّعهم وإخائهم، فيشكرون الله تعالى ويحمدونه، على عظيم فضله وإحسانه، بأن هداهم إلى هذا النور وهذا الإخاء، الَّذي ما كانوا ليهتدوا إليه لولا أن هداهم الله.

سورة المائدة(5): قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائِرَ الله ولا الشَّهرَ الحرامَ ولا الهَدْيَ ولا القلائِدَ ولا آمِّينَ البيتَ الحرامَ يَبْتغونَ فضْلاً من ربِّهم ورِضواناً وإذا حللتُمْ فاصطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قومٍ أَن صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أن تَعْتَدُوا وتَعَاوَنُوا على البِرِّ والتَّقوى ولا تَعَاوَنُوا على الإثم والعُدوانِ واتَّقُوا الله إنَّ الله شديدُ العقاب(2)}

ومضات:
ـ بيت الله الحرام منطقة أمان، يرفرف عليها السَّلام، ويُظِلُّ من يؤمُّها ويقيم فيها، وهذا السَّلام يشمل الحيوان والنبات إلى جانب الإنسان.
ـ الأمر بالتعاون على البِرِّ والتَّقوى ركنٌ من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن الكريم، إذ يوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضاً على كلِّ ما فيه فائدة تعمُّ الأفراد والجماعات في دينهم ودنياهم.

ونهى المسلمين كذلك عن أن يُحِلُّوا الهدي الَّذي كان يُهدى من غير المسلمين إلى مَحِلِّه من بيت الله، فلا يجوز لمسلمٍ غَصْبُهُ أو ذَبْحُه أو حَبْسُه، كما يَحْرُمُ عليهم التعرُّض بالقتل أو الصدِّ لكلِّ من قصد بيت الله بالزيارة رغبة في مرضاة الله، وسعياً وراء الرزق والكسب المادي. فالمسلمون ملزمون بالتعامل مع جميع الناس بالإحسان، وفي كلِّ زمان ومكان، وينبغي عليهم التقيُّد بهذا الالتزام بشكل أخصَّ في بيت الله الحرام، وفي الأشهر الحرم، وبغَضِّ النظر عن العداوة الَّتي قد تكون أحياناً بينهم وبين بعض الفئات.

وهذا الخُلق العظيم لا يمكن أن يتحلَّى به إلا من وصفهم الله تعالى بالمحسنين، الَّذين قال عنهم: {..والكاظمينَ الغيظَ والعَافينَ عن النَّاسِ والله يُحبُّ المُحسنين} (3 آل عمران آية 134). وأشار إلى أن هذا من الأمور الَّتي يجب الثبات عليها بحزم وعزيمة فقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذلك لَمِنْ عَزْمِ الأمور} (42 الشورى آية 43).
avatar
أبو رافع
Admin

عدد الرسائل : 997
تاريخ التسجيل : 31/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alserat.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى